صناعة الخوف
إبراهيم اليوسف
ولعلَّ المبدع سيكتشف ماهية الخوف، وكأنه مقدمة إلى الموت، أو اللحظة الفاصلة بين النهاية والبداية، أو الأفول والولادة، والعدم والوجود، مادامت طقوس الخوف من شأنها أن تجهزعلى الطمأنينة والحلم والأمل، وقد تقود المسكون بها، فرداً، أوجماعة، إلى مداراته للاستسلام أمام خوف آخر، منظَّم، من شأنه توفيرالأمان وبعض فتات الرغيف، ضمن شروط مهادنته، وهذا-أولاً وأخيراً-على حساب شرط الحرية والإبداع، إذ يتحول الموقع على صك المهادنة مع آلة الخوف إلى كائن مستلب الإرادة، روبوتي، يردد مايملى عليه،حيناً، أويسمع ويرى ولايتكلم، حيناً آخر، وهو أنموذج شخصية يمكن إدخالها في مختبرالحكي، بيد أن آليتها تجعلنا نحس أننا أمام شخصية ذات بعد أحادي، ضمن شروط المكان المعيش، وهذا ما يفوت على النص الإبداعي متعة الغنى والثراء، لتجمع هذه الشخصية بين ملامح غريغوري سامسا" في رواية المسخ لجون شتاينبك، والنمورفي يومها السابع لزكرياتامر، وهذا مايتم-في الأصل-عبر أداتي الخوف والتجويع، مجتمعتين.
وعند أي تشريح لآلة القهر، الأخطبوطية، وقراءة أدواتها، في المختبرالروائي والقصصي، أو الحياتي، فإننا نجد أن هذه الآلة تمارس صناعة الخوف، لإنتاج الأمان، وهوأمان يتحقق عبراللاأمان،بل إن هذه الآلة الرهيبة بدأت مع الإنسان الأول الذي تعرف على ضروب من وحوش الغابة، من ذئاب، وأسود، وضباع، ودببة، ونمور، وأفاع، فبات يجري مصالحته الناقصة معها، ذلك لأن شرط استمرارهذه الكائنات، لا يتأتى إلا من خلال ممارسة دورها الفطري على دماء الكائن الحي.
وإذا كانت الحرية، شرطاً للإبداع، فإن الخوف يتنافى مع الحرية، ولايمكن الحديث عن أية حرية، مادم أن شبح الخوف قائماً، بل إن الآية لتنقلب رأساً على عقب، عندماتقدم آلة الخوف على ترجمة نفسها، على حساب حياة الكائن البشري، من دون أية مبالاة بمدى عظمة الإنسان، الذي تعد حياته، وهي الترجمة الحرفية لدمه، وروحه، وحلمه، وحقه الشرعي في استمرارالعيش على وجه البسيطة، حراً، كريماً، أبياً، متمتعاً بالإرادة، مخيراً لامسيراً بلغة المصطلح الفلسفي.
وإذا كان تطور الخوف، على مسرح الحياة، عبرصناعته، يتطورفي منحيين، يتجليان في حربيه الباردة أو الحقيقية، فإن الخط الفاصل بين هاتين الحربين ليس إلا مجرد وهم، حيث سرعان ما يتنقل صانع الخوف من مرحلة إلا أخرى، وإن كان لافرق أصلاً بين حصيديهما، إذ أن خراب النفس البشرية في الحرب الأولى، ليس بأفضل حال من الموات الحقيقي الذي تتركه وراءها المرحلة الأخرى، وإن كان الدم مجازياً هناك، وفعلياً هناك، وهوما يمكن أن يتلمسه القاص، أو الروائي، الحقيقيان بحذق ومهارة، في هجائيهما لكلتا الحربين، وصناعة الخوف، وصانعها، إذ لاحياة متوازنة أو فعلية في حضرة كل هذه الأدوات الرهيبة التي لا مستقبل لها.
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته



