.

.

صناعة الخوف

PDF طباعة إرسال إلى صديق

إبراهيم اليوسف

إذاكان مثل هذا العنوان، يصلح في حقيقته لأن يطلق على أي إبداع قصصي، أو روائي، من قبل أي مبدع أصيل، وهو يتناول ما يجري من حولنا، من محاولات حثيثة، منظمة لإعادة سبعة مليارات أناسي الكوكب الأرضي، ليعيشوا تحت وطأة الخوف، فإنه يمكن التوقف عند أشخاص، وأمكنة، قد يعدون في ميزان الخيروالشرأكثرمن يعنون بتوسيع دائرة الخوف، ليعيش مع الكائن الحي، منذ أن يفتح عينيه صباحاً، وحتى لحظة إغفاءته التي تأتي بعد أن يهده النوم، مادام مستوفزاً، كليم الروح، في ذروة الخط البياني للتوتر، وهذا ما يدفع به إلى أن يعيش مع كائن الخوف، أم كابوسه، كي يجلس قبالته على الكرسي، على مائدة طعامه، أو في سريره ،أو مكان عمله، بل يرافقه أنى سار،ليغدو ظلاً، وتوأماً، ولعنةً.

ولعلَّ المبدع سيكتشف ماهية الخوف، وكأنه مقدمة إلى الموت، أو اللحظة الفاصلة بين النهاية والبداية، أو الأفول والولادة، والعدم والوجود، مادامت طقوس الخوف من شأنها أن تجهزعلى الطمأنينة والحلم والأمل، وقد تقود المسكون بها، فرداً، أوجماعة، إلى مداراته للاستسلام أمام خوف آخر، منظَّم، من شأنه توفيرالأمان وبعض فتات الرغيف، ضمن شروط مهادنته، وهذا-أولاً وأخيراً-على حساب شرط الحرية والإبداع، إذ يتحول الموقع على صك المهادنة مع آلة الخوف إلى كائن مستلب الإرادة، روبوتي، يردد مايملى عليه،حيناً، أويسمع ويرى ولايتكلم، حيناً آخر، وهو أنموذج شخصية يمكن إدخالها في مختبرالحكي، بيد أن آليتها تجعلنا نحس أننا أمام شخصية ذات بعد أحادي، ضمن شروط المكان المعيش، وهذا ما يفوت على النص الإبداعي متعة الغنى والثراء، لتجمع هذه الشخصية بين ملامح غريغوري سامسا" في رواية المسخ لجون شتاينبك، والنمورفي يومها السابع لزكرياتامر، وهذا مايتم-في الأصل-عبر أداتي الخوف والتجويع، مجتمعتين.

وعند أي تشريح لآلة القهر، الأخطبوطية، وقراءة أدواتها، في المختبرالروائي والقصصي، أو الحياتي، فإننا نجد أن هذه الآلة تمارس صناعة الخوف، لإنتاج الأمان، وهوأمان يتحقق عبراللاأمان،بل إن هذه الآلة الرهيبة بدأت مع الإنسان الأول الذي تعرف على ضروب من وحوش الغابة، من ذئاب، وأسود، وضباع، ودببة، ونمور، وأفاع، فبات يجري مصالحته الناقصة معها، ذلك لأن شرط استمرارهذه الكائنات، لا يتأتى إلا من خلال ممارسة دورها الفطري على دماء الكائن الحي.

وإذا كانت الحرية، شرطاً للإبداع، فإن الخوف يتنافى مع الحرية، ولايمكن الحديث عن أية حرية، مادم أن شبح الخوف قائماً، بل إن الآية لتنقلب رأساً على عقب، عندماتقدم آلة الخوف على ترجمة نفسها، على حساب حياة الكائن البشري، من دون أية مبالاة بمدى عظمة الإنسان، الذي تعد حياته، وهي الترجمة الحرفية لدمه، وروحه، وحلمه، وحقه الشرعي في استمرارالعيش على وجه البسيطة، حراً، كريماً، أبياً، متمتعاً بالإرادة، مخيراً لامسيراً بلغة المصطلح الفلسفي.

وإذا كان تطور الخوف، على مسرح الحياة، عبرصناعته، يتطورفي منحيين، يتجليان في حربيه الباردة أو الحقيقية، فإن الخط الفاصل بين هاتين الحربين ليس إلا مجرد وهم، حيث سرعان ما يتنقل صانع الخوف من مرحلة إلا أخرى، وإن كان لافرق أصلاً بين حصيديهما، إذ أن خراب النفس البشرية في الحرب الأولى، ليس بأفضل حال من الموات الحقيقي الذي تتركه وراءها المرحلة الأخرى، وإن كان الدم مجازياً هناك، وفعلياً هناك، وهوما يمكن أن يتلمسه القاص، أو الروائي، الحقيقيان بحذق ومهارة، في هجائيهما لكلتا الحربين، وصناعة الخوف، وصانعها، إذ لاحياة متوازنة أو فعلية في حضرة كل هذه الأدوات الرهيبة التي لا مستقبل لها.

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

 
  • الصفحة الرئيسية
  • الأخبار
  • حوارات
  • کوردناس
  • مقالات
  • الإتصال
  • المواقع
  • ثقافة والادب
  • مقالات تأريخية
  • الرياضة
  • كاريكاتير
  • منوعات
  • القسم الثقافي
  • بيانات
  • تقاير
  • الاقتصاد
  • الاخبار الرئيسية
  • مقالات مختارة
  • بيانات
  • أخبار المجلس
English
  • english

2006-2012 المجلس الوطني الكردستاني - سوريا (كوردناس). جميع الحقوق محفوظة.
Kurdnas.